الاثنين، 30 سبتمبر 2013

جهود الخلافة العباسية في عمارة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة



جهود الخلافة العباسية
في عمارة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة
(132-656هـ)
ونتناول في هذه الصفحات بعضاً من الجهود التي بذلتها الخلافة العباسية في رعاية الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة, وقد لخصناها كما يلي:
عمارة المسجد الحرام:
فقد تعاقبت جهود الخلفاء العباسيين على عمارة المسجد الحرام، فمنهم من زاد في مساحته، ومنهم من بذل الأموال في عمارته وإصلاحه ونبين هنا بعضاً من تلك الأعمال الخالدة:
التوسعة العباسية الأولى سنة: (137هـ ـ 754م):
وكانت أول عمارة للعباسيين تمت في عهد أمير المؤمنين الخليفة الإمام أبي جعفر المنصور بالله العباسي رضي الله عنه وكان المنصور قد خرج عام: (136هـ ـ 753م) وهو ولي للعهد أميراً للحاج، وعندما وصل إلى مكة لفت انتباهه صغر مساحة المسجد الحرام، مع تزايد أعداد الحجاج في كل عام.. وقرر العزم على نقل ما شاهده ورغبته في التوسعة إلى أمير المؤمنين الخليفة أبي العباس عبد الله السفاح رضي الله عنه ، لكن نعي أخيه السفاح رضي الله عنه جاءه قبل أن يصل بغداد مقروناً بالبيعة له بالخلافة.
فكان أول عمل قام به هو إصدار أوامره بتوسعة المسجد الحرام، وأوكل هذه المهمة إلى عامله على مكة المكرمة زياد بن عبيد الله الحارثي.
وقد بدأ العمل في التوسعة في العام التالي لخلافته: (137هـ ـ 754م)، فقام زياد الحارثي بشراء الدور الواقعة شمالي المسجد وغربه وهدمها، ثم ضمها إلى مساحة المسجد, وكانت الزيادة من الجهتين: الشمالية الشرقية من المسجد الذي يلي دار الندوة إلى أن ينتهي إلى منارة باب العمرة، والجانب الغربي من المسجد. ولم يزد من الجهة الجنوبية؛ لاتصالها بمجرى سيل وادي إبراهيم عليه السلام، ولصعوبة البناء بها, وبنى في هذه التوسعة أول منارة في تاريخ المسجد الحرام, كما عمل المنصور رضي الله عنه رواقاً دائرياً في صحن المسجد بأساطين(1) من الرخام، أقيمت حول المطاف، وزخرفت بالفسيفساء وماء الذهب، وزينت السقوف بأنواع من الزخرفة الإسلامية.
وقام المنصور رضي الله عنه بكسوة جدران المسجد بالرخام من الداخل والخارج وبارتفاع الجدار نفسه, وهذه أول مرة تتم فيها تغطية جدران المسجد الحرام بكامله بالرخام؛ لوقايتها من السيول, وألبس حجر إسماعيل عليه السلام بالرخام من داخله وخارجه, وأمر المنصور رضي الله عنه أيضاًَ بتظليل الصحن أيام الصيف بستور تنشر على حبال ممدودة على خشب, لتقي المصلين حرارة الشمس.
وعلى ضوء هذه الزيادة أصبحت مساحة المسجد الحرام تقدر بحوالي :
(15440م2)، بزيادة قدرها (4700م2)، وبذلك بلغت الزيادة ضعف المساحة السابقة, وقد استمرت أعمال التوسعة ثلاثة أعوام: (137ـ140هـ ـ 754ـ757م). وفي العام الذي انتهت فيه التوسعة حج أمير المؤمنين المنصور رضي الله عنه ، فشاهد التوسعة، ولفت انتباهه بروز حجارة الحِجر، فأمر عامله على مكة زياد الحارثي بتغطيتها بالرخام ليلاً، حتى إذا أصبح لا يراها إلا مغطاة، وقد فعل زياد ما أمره به الخليفة على سراج القناديل قبل أن يصبح الصباح,
وقد خلد المنصور عمله بنقش يحمل اسمه فوق باب بني جمح.
التوسعة العباسية الثانية سنة: (160هـ ـ 776م):
وحظي المسجد الحرام بعناية فائقة في عهد أمير المؤمنين الخليفة الإمام محمد المهدي رضي الله عنه ، فشهد زيادتين:
الأولى بعد توليه الخلافة بعام وذلك في سنة: (160هـ ـ 776م), حيث حج ورأى ضيق مساحة المسجد, ومعاناة الحجاج من الزحام، فأمر بتوسعته، وأوكل هذه المهمة إلى قاضي مكة محمد بن عبد الرحمن المخزومي، وكانت أول خطوة للتوسعة شراء الأراضي والدور المحيطة بالمسجد وإزالتها، وكان ثمن كل ذراع دخل في المسجد:(25 ديناراً)، و:(15) ديناراً مما دخل في الوادي.
وقد شملت التوسعة الجهتين الشمالية والجنوبية, وأمر الخليفة المهدي رضي الله عنه بنقل أساطين الرخام من الشام ومصر إلى ميناء جدة، ثم نقلت على عربات إلى مكة, أما الأروقة فقد عملها على أساطين الرخام، وسقفت بخشب الساج, وقد انتهت أعمال التوسعة الأولى عام:(164هـ ـ 780م)، وبلغت حوالي 7950م2)، فصارت مساحة المسجد: (23390م2).
التوسعة العباسية الثالثة سنة: (164هـ ـ 780م):
وفي العام الذي انتهت به أعمال التوسعة قدم أمير المؤمنين الخليفة المهدي رضي الله عنه إلى مكة لأداء فريضة الحج، ومشاهدة أعمال التوسعة. فلاحظ أن الكعبة المشرفة لا تتوسط المسجد بسبب صغر المساحـة الواقعـة بين الكعبـة
والرواق النبوي. وقد تأكد من ذلك بعد أن صعد إلى جبل أبي قبيس، ثم دخل المسجد مرة أخرى، ولاحظ الصعوبات التي تواجـه الحجاج، فكانوا يسلكـون الوادي خارج المسجد، ومنه إلى زقاق ضيق حتى يخرجوا إلى الصفا, فقرر إصلاح ذلك… وقد استشار الخليفة المهدي رضي الله عنه المهندسين في إجراء التوسعة، فاستقر رأيهم على استحالة إجراء التوسعة لوقوعها في مجرى السيل، لكن المهدي رضي الله عنه أصر على التوسعة فقال: (لابد لي من سعة المسجد، حتى تكون الكعبة في وسطه، ولو أنفقت فيه ما في بيوت المال). ولم يكن أمام المهندسين إلا الرضوخ لرغبة الخليفة المهدي رضي الله عنه ، فعادوا من جديد إلى إجراء القياسات اللازمة، فرأوا أن ذلك يتطلب اقتطاع جزء من مجرى السيل من جهة المسجد مع توسعة مجرى السيل من الجهة الأخرى كما احتاطوا للسيل إذا زاد عن منسوبه بأن جعلوا أمام باب بني هاشم (باب علي) باباً يقابله، فإذا دخل السيل من الأول خرج من الثاني، وهو باب الحزوزة (باب الوداع), ووسع مجرى السيل من الجهة المقابلة بعد شراء الدور المطلة عليه.
وبعد هذه التوسعة صارت الكعبة تتوسط المسجد الحرام, ودخل بهذه التوسعة جزء كبير من المسعى في المسجد، فقد كانت منطقة المسعى في صدر الإسلام عريضة، فبنى بعض السكان دورهم في جزء من عرضها، بينها وبين المسجد، فاستعيدت تلك الأرض بشراء الدور التي عليها. وبانتهاء أعمال التوسعة أصبح المسجد مطلاً على المسعى لا تفصله البيوت وأنشأ المهدي رضي الله عنه للمسجد الحرام ثلاث منارات: الأولى في الجهة الشرقية الشمالية عند باب السلام، والثانية في الجهة الشرقية الجنوبية عند باب علي، والثالثة في الجهة الجنوبية الغربية عند باب الوداع, وقد خلد الخليفـة المهدي رضي الله عنه هذا العمل على أحد جدران المسجد وأشار إلى ذلك ابن بطوطة:(وكتب اسمه على مواضع من المسجد, لكن الموت داهم المهدي رضي الله عنه قبل إتمام أعمال الإعمار كافة للمسجد الحرام.
فتكفل ابنه أمير المؤمنين الخليفة موسى الهادي رضي الله عنه بإتمام العمل، فبنى الأساطين من الحجارة، ثم طليت بالجص، لكن عمله لم يكن بإتقان عمل والـده.
رسم توضيحي للتوسعات العباسية للحرم المكي الشريف
وأصبحت مساحة المسجد بعد الزيادة الثانية للخليفة المهدي رضي الله عنه:(25750م2).
ولم تقتصر عمارة الخليفة المهدي رضي الله عنه على التوسعة للمسجد، بل كانت هناك إضافات أخرى لمرافقه، فقد أضاف خمسة أبواب للمسجد، هي: باب دار شيبة بن عثمان، والباب الكبير الذي كان يدخل منه الخلفاء، ويعرف بباب بني شيبة الكبير، والباب الذي في دارالقوارير، وباب النبي صلى الله عليه وسلم ، وباب العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه الذي عند العلم، الذي يسعى منه من أقبل من المروة يريد الصفا، فصار للمسجد تسعة عشرة باباً، تنفتح على ثمانية وثلاثين طاقاً.
التوسعة العباسية الرابعة سنة: (284هـ ـ 894م):
وفي عهد أمير المؤمنين الخليفة أبو العباس أحمد المعتمد على الله رضي الله عنه تصدعت بعض جدران المسجد من الجهة الغربية, لأن داراً بجوار باب إبراهيم سقطت على سطح المسجد، فتكسرت بعض أخشابه، وأنهدمت أسطوانتان من أسطوانات المسجد، فصدر أمر ولي العهد الأمير الموفق بالله عام: (271هـ ـ 884م) إلى والي مكة المكرمة بعمارة ما تهدم من جدران المسجد، فأعيد البناء، وأقيمت الأسطوانتان، وبنيت عقودهما. وظل المسجد الحرام بعد أعمال الخليفة محمد المهدي رضي الله عنه على حدوده التي وصفناها حتى ذلك الوقت.
وبعد ذلك نفذت زيادتان للمسجد دون أن تخلا بتربيعه، تمثلتا بإضافة ما تبقى من دار الندوة الواقعة في الجهة الشمالية في عهد أمير المؤمنين الخليفة
أحمد المعتضد بالله رضي الله عنه وذلك في عام: (284هـ ـ 897م), حيث جعل سقفها مساوياً لسقف المسجد، وجعل فيها منارة جديدة، كما أضاف باباً للمسجد عرف بباب الزيادة، ثم قام بصيانة عامة للمسجد ومرافقه، وكان مقدار الزيادة نحو 1250م2).
التوسعة العباسية الخامسة سنة: (306هـ ـ 918م):
ولما تولى الخلافة أميرالمؤمنين الخليفة أبو الفضل جعفر المقتدر بالله رضي الله عنه عام: (306هـ ـ 918م) أمر بوصل مبنى دار الندوة بالمسجد الحرام حتى أصبحت جزءاً منه, كما أمر بالاستفادة من الساحة التي كانت بين دارين للأميرة الكاملة السيدة زبيدة العباسية، فهدمتا وألحقتا بالمسجد من الجهة الغربية، وعرفت هذه الزيادة بزيادة باب إبراهيم, وتقدر مساحة المسجد الحرام في عهده بـ (27850م2) تقريباً، ومقدار الزيادة التي قام بها حوالي: (850م2).
وقد استمرت الترميمات والإصلاحات للمسجد الحرام وبقية المشاعر المقدسة طيلة عصر الخلافة العباسية، وما ذكرنا منها في هذه العجالة كان من أبرزها.
أحد النصوص التأسيسية منذ العهد العباسي عثر عليه في الحرم المكي الشريف, وهو نص تأسيسي مكتوب على الرخام لعمارة المطاف في عهد أمير المؤمنين الخليفة المنصور أبي جعفر المستنصر بالله العباسي سنة:(631هـ) في آواخر الخلافة العباسية الأولى ـ معرض عمارة الحرمين الشريفين.
عمارة الكعبة المشرفة:
كانت أول عملية تعمير وإصلاح في العصر العباسي لأرضية الكعبة وجدرانها من الداخل في عهد أمير المؤمنين الخليفة المتوكل على الله رضي الله عنه سنة: (240هـ ـ 854م) بعد أن كتب إليه ولي عهده الأمير أبو جعفر المنتصر بالله, وكان واليه على الحجاز يصف حال الكعبة، وما لحق أرضيتها وجدرانها بقوله : (إني دخلت الكعبة، فرأيت الرخام المفروش بأرضها قد تكسر, وصار قطعا، وأن الرخام الموجود على جدرانها قد تهدم).
وكتب للخليفة بمثل ذلك صاحب بريد مكة, فاستجاب الخليفة لهذه الرغبة، وأسند مهمة الإصلاح إلى أحد شيوخ الحرفة ببغداد إسحاق بن سلمة الصائغ، ووجه معه ثلاثين من الصناع الذين اختارهم بنفسه، وزوده بمئة لوح من الرخام، وما يحتاجه من الذهب والفضـة, وابتدأ العمل بالإصلاح في رجب من عام:(241هـ ـ855م)، فقلع الصناع الرخام المتساقط من جدران الكعبة، ووضعوا مكانه الرخام الجديد، وألصقوه بجبس صنعاني أحضر جلب من صنعاء لهذه الغاية. كما أصلح عتبة باب الكعبة التي كانت من خشب الساج الذي تلف، فاستبدلها بقطع جديدة، ثم ألبسها بصفائح من الفضة, وقام إسحاق أيضاً بتلبيس زوايا الكعبة من الداخل بالذهب, بعد أن أعيد ترميم, الكعبة عمل إسحاق على حمايتها وحماية البيت الحرام من السيول التي كثيراً ما كانت تداهمه، فعمل جداراً لحجز السيل، ثم هدم الجزء الذي تضرر من المسجد، وأعاد بناءه، وأصلح الطريق التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس رضي الله عنه التي يقال لها: شعب الأنصار، والتي أخذ بها الرسول البيعة من الأنصار.
وكانت هذه الطريق قد اندثرت حتى زالت الجمرة من موضعها (بفعل عامة الناس) فردها إلى موضعها، وبنى من خلفها جداراً لئلا يصل إليها من أراد الرمي من أعلاها، وكانت تكاليف الإصلاح قد كلفت الدولة مبالغ كبيرة.
وجُدد رخام الكعبة مرة أخرى في عهد أمير المؤمنين الخليفة إبراهيم المقتفي لأمر الله رضي الله عنه ، كما استبدل ميزاب الكعبة بآخر جديد.
وفي سنة:(559هـ) جرت تقوية الركن اليماني بشدّهِ عند ما تضعضع وذلك أيام أمير المؤمنين الخليفة المستنجد بالله رضي الله عنه.
كذلك لقي باب الكعبة عناية خاصة, من قبل الخلفاء العباسيين، فاهتموا به من حيث التجديد والتحلية والتغيير.
باب الكعبة المشرفة ومفاتيحها:
ويعد أميرالمؤمنين الخليفة محمد الأمين رضي الله عنه أول خليفة عباسي قام بتحلية باب الكعبة بالذهب، فقد بعث إلى واليه على مكة بثمانية عشر ألف دينار، عمل منها صفائح من ذهب وألصقها على باب الكعبة.
كما أرسل أمير المؤمنين الخليفة المعتصم بالله رضي الله عنه في عهده للباب قفلا من الذهب، قدرت تكاليفه بألف دينار.وفي عهد أمير المؤمنين الخليفة المتوكل على الله رضي الله عنه كان باب الكعبة من خشب الساج، ولحمايته أمر الخليفة المتوكل عام: (237هـ ـ 851م) بتلبيس الباب بالفضة، كما جعل له غلقاً من الفضة، وعلى الباب ملبن ساج ملبس بالفضة، وعمل على الباب حلقة من الفضة بقفل من حديد.
وجدد أمير المؤمنين الخليفة محمد المقتفي لأمر الله رضي الله عنه في عهده باب الكعبة المشرفة سنة: (552هـ ـ 1157م)، فقلع الباب القديم، واتخذ باباً من العقيق، وصفحه بالفضة المذهبة.
صور لبعض مفاتيح وأقفال الكعبة المشرفة ـ صنعت في العهود العباسية
لقد كانت المفاتيح والأقفال للكعبة المشرفة في العصر العباسي تصنع من مادة الحديد والفولاذ والذهب والفضة أيضاً , وقد كانت الكتابات التي كتبت على الأقفال والمفاتيح في ذلك العصر مكتوبة بالذهب أو الفضة بطريقة التكفيت, فيما عد أول قفل صنع في ذلك العصر فقد كان من مادة الخشب, ونضع هنا بعضاً من صور تلك المفاتيح والأقفال المصنعة في ذلك العصر الزاهر.
أول قفل صنع للكعبة المشرفة في العصر العباسي آواسط القرن الثاني الهجري في عهد أمير المؤمنين الخليفة أبو جعفر المنصور رضي الله عنه
مفتاح للكعبة المشرفة من العصر العباسي ـ صنع في عهد أمير المؤمنين الخليفة محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور رضي الله عنه في سنة :( 160هـ )
مفتاح للكعبة المشرفة من العصر العباسي ـ القرن الخامس الهجري
مفتاح للكعبة المشرفة من العصر العباسي ـ القرن السادس الهجري
مفتاح للكعبة المشرفة من العصر العباسي ـ القرن السادس الهجري
الحجر الأسود ـ ومقام إبراهيم عليه السلام:
ويعد الحجر الأسود من أهم أركان الكعبة. ولهذه الأهمية لقي اهتماماً خاصاً من الخلفاء العباسيين، وبسبب كثرة مس الطائفين للحجر تزعزعت الفضة من مكانها حتى خشي على الركن الأسود أن ينهار. فلما اعتمر الخليفة هارون الرشيد عام: (189هـ ـ 804م) أمر بثقب الحجارة التي حول الحجر الأسود، ثم صُب سائل الفضة فيها.
وفي عهد أمير المؤمنين الخليفة الفضل المطيع لله رضي الله عنه أعيد الحجر الأسود بعد أن سرقه الرافضة القرامطة لمدة (22) عاماً إلى مكانه بعد أن صنع له طوقاً من الفضة، وقيل: إن قيمة ما جعلوه على الطوق من الفضة ثلاثة آلاف وتسعة وتسعين درهماً, ومقابل باب الكعبة مقام سيدنا إبراهيم ، وقد اهتم به الخلفاء العباسيون أيضاً كاهتمامهم بالبيت، وكان أمير المؤمنين الخليفة محمد المهدي رضي الله عنه أول من حلّى المقام سنة: (161هـ ـ 777م). وقد روى الأزرقي
عن عبد الله بن شعيب، قال: (ذهبت أرفع المقام في خلافة المهدي، فانثلم، قال: وهو حجر رخوة، فخشينا أن يتفتت، فكتبنا في ذلك إلى المهدي، فبعث إلينا بألف دينار، فضببنا فيه المقام أسفله وأعلاه).
وكان من جملة أعمال أميرالمؤمنين الخليفة المتوكل على الله رضي الله عنه العمرانية في المسجد الحرام أمر في عام: (236هـ ـ846م) بتحلية المقام بالذهب، واستبدال صفائح الرصاص التي كانت تلبس الكرسي الذي عليه المقام بالفضة، كما اتخذ له قبة من خشب الساج.
كسوة الكعبة المشرفة:
حظيت كسوة الكعبة المشرفة برعاية واهتمام خلفاء بني العباس، فقد تواترت الروايات على اهتمام الخلفاء العباسيين الذين ساروا على نهج الصحابة في كسوة الكعبة، وما يشهد للخلفاء العباسيين بهذا الأمر أنهم كسوا الكعبة خلال (أربع وأربعين سنة مئة وسبعين ثوباً)، إلا أنه كان يخفف عنها الشيء بعد الشيء حتى لا تثقل الكعبة، فتهدم جدرانها.
وكانت أول إشارة إلى كسوة الكعبة في العصر العباسي تعود إلى عهد أميرالمؤمنين الخليفة محمد المهدي رضي الله عنه حيث استغل القائمون على رعاية المسجد الحرام وجود الخليفة المهدي بمكة لأداء فريضة الحج عام: (160هـ ـ 776م)، فرفعوا إليه خوفهم على جدران الكعبة من كثرة الكسـوة التي عليها، وسألوه التخفيف عنها، فاستجاب الخليفة لرغبتهم بعد أن شاهد ذلك بعينه، ثم ضمخها بالمسك والعنبر من الداخل والخارج، وأمر بكسوتها ثلاث كُسًا: قباطي وخز وديباج.
وبعد أن كانت تكسى في كل سنة كسوتين: كسوة ديباج، وكسوة قباطي، كسوة الديباج يوم التروية، وكسوة القباطي يوم: السابع والعشرين من رمضان، رفع سدنة الكعبة إلى أمير المؤمنين الخليفة عبد الله المأمون رضي الله عنه أن الديباج يبلى قبل بلوغ عيد الفطر، فاستشار الخليفة المأمون رضي الله عنه مبارك الطبري صاحب بريد مكة في أي الكسوة تكون الكعبة أحسن؟ فأجابه بالبياض، فأمر بكسوة جديدة من الديباج الأبيض، فصارت الكعبة تكسى ثلاث كُسًا: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم السابع والعشرين من رمضان.
وفي عهد أمير المؤمنين الخليفة المتوكل على الله رضي الله عنه ، رفع إليه سدنة الكعبة أن الإزار الأحمر يبلى قبل بلوغ هلال رجب من لمس الناس له، فأمر الخليفة بزيادة إزارين مع الإزار الأول.
وفي عهد أمير المؤمنين الخليفة الإمام الناصر لدين الله رضي الله عنه في سنة (622هـ ـ1225م) أمر بأن تكسى الكعبة بكسوة سوداء وأخرى خضراء.
يقول السيوطي نقلاً عن الفاسي: (وقد استمرت إلى الآن) أي: عام: (812هـ). وكان الخليفة العباسي يعهد بحمل الكسوة، وإيصالها إلى مكة إلى أحد العلماء, ويكون خروجه مع خروج الحاج من بغداد, وجرت العادة أن ترسل مع الكسوة كل سنة آنيتان من النحاس مملوءتان بماء الورد النقي لغسيل الكعبة قبل الكسوة.
تحلية الكعبة المشرفة:
كان أمير المؤمنين الخليفة أبو العباس السفاح رضي الله عنه أول من حلى الكعبة المشرفة، فقد أرسل صحيفة خضراء من الزبرجد، لتعلق على باب الكعبة.
أما الخليفة المأمون رضي الله عنه فقد أرسل إلى الكعبة السرير الذي أهداه له ملك التبت بعد إسلامه.
وفي عام: (245هـ ـ 859م) أمر الخليفة المتوكل على الله رضي الله عنه بتحلية الكعبة بالذهب من الداخل، وبلغت قيمة التحلية ثمانية عشر مليون دينار. وكانت الشمسة من جملة الهدايا التي ترسل إلى الكعبة، ويعد الخليفة المتوكل على الله رضي الله عنه من أكثر الخلفاء اهتماما بها، حتى قيل: إنه أول من بعث بها إلى الكعبة، فكان يبعث بها كل عام مع قافلة الحج لتعلق على بابها بعد الكسوة.
وكان الخليفة العباسي المقتدر بالله رضي الله عنه إسهام في تحلية الكعبة، فقد صفح أساطينها بالذهب، كما أمرت والدته رحمها الله تعالى السيدة شغب سنة: (310هـ ـ922م) بإلباس الإسطوانة التي تلي باب الكعبة بصفائح من الذهب من أسفلها إلى أعلاها.
وبعث الخليفة المطيع لله رضي الله عنه سنة: (359هـ ـ969م) قناديل من الفضة، وقنديلاً من الذهب، علقت في جوف الكعبة.
إنارة المسجد الحرام ومشاعر الحج في مكة المكرمة:
ومن الخدمات التي حرص الخلفاء العباسيون على توفيرها في المسجد الحرام والمشاعر (الإضاءة)، وكانت إنارة المسجد الحرام والمشاعر تعتمد في البدايات على الجهود الفردية لسكان مكة، من إيقاد النيران خارج مكة، أو تعليق الأسرجة على سطوح منازلهم إلى أن كانت ولاية خالد القسري في عهد الخليفة
الأموي عبدالملك بن مروان، فوضع مصباحاً واحداً على عمود عند بئر زمزم مقابل الركن الأسود, واستمر الوضع على ذلك إلى العهد العباسي الزاهر في خلافة أمير المؤمنين عبد الله المأمون رضي الله عنه ، فأمر واليه على مكة المكرمة الأمير محمد بن سليمان العباسي سنة:(216هـ ـ831م) بوضع عمود مقابل عمود زمزم بحذاء الركن الغربي.
فلما ولي مكة الأمير محمد بن داود العباسي أضاف عمودين آخرين, أحدهما بحذاء الركن اليماني، والآخر بحذاء الركن الشامي، فأصبح المسجد الحرام يضاء من جهاته الأربع.
أما أمير المؤمنين الخليفة المعتصم بالله رضي الله عنه, فقد كان أول من أشعل النفاطات في ليالي موسم الحج بين الصفا والمروة.
وفي خلافة أمير المؤمنين الخليفة الواثق بالله رضي الله عنه أمر بعمل عشرة أعمدة جعلت حول المطاف، وتضيء كذلك ما بين الصفا والمروة، كما علقت ثمان ثريات، اثنتان في كل جهة من واجهات المسجد الحرام.
عمارة المسجد النبوي بالمدينة المنورة
لقد نال المسجد النبوي في المدينة المنورة الاهتمام نفسه الذي ناله المسجد الحرام من قبل الدولة العباسية من حيث الرعاية والإعمار في جميع مراحل العصور العباسية المتعاقبة.
وقد كان ثاني الخلفاء العباسيين أمير المؤمنين الإمام عبد الله أبو جعفر المنصور بالله رضي الله عنه قد عزم على توسعة المسجد النبوي، لكنه توفي رحمه الله قبل أن ينفذ ما عزم عليه، ولكن كان له إسهام في إعمـاره، فقد أمر واليه على المدينة الحسن بن زيد بن علي بتجديد رخام جدران المسجد النبوي الشريف سنة: (151هـ ـ 767م).
وفي خلافة أمير المؤمنين هارون الرشيد رضي الله عنه أجريت إصلاحات في سقف المسجد من جهة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم عام: (193هـ ـ 809م).
ولم تحدث زيادات للمسجد النبوي إلا في عهد أمير المؤمنين الخليفة محمد المهدي رضي الله عنه: (158ـ 169هـ ـ 785ـ775م). وذلك أنه عندما حج رضي الله عنه عام:(160هـ ـ777م)،رأى الزحام في المسجد، فقرر التوسعة بعد أن استشار زعماء أهل المدينة. ولأجل هذه الغاية استعمل على المدينة الأمير جعفر بن محمد بن سليمان العباسي، وأوكل إليه مهمة الإشراف على الزيادة، ومعه كل من عبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد العزيز, وعبد الملك بن شبيب الغساني،
وأوصاهما بأن تبدأ عمليات التوسعة والبناء بعد رحيل الحجاج عن المدينة، على أن يرسل لهم الأموال اللازمة للبناء إذا عاد إلى بغداد.
ثم توفي عبد الله بن عاصم أحد المكلفين بالعمارة، فكتب الأمير جعفر بن محمد بن سليمان العباسي إلى الخليفة بذلك، فأرسل عوضاً عنه عبد الله بن موسى الحمصي. وقام المكلفون بالعمارة بتحديد الدور المراد هدمها بغرض إدخالها في التوسعة، ومن تلك الدور دار مليكة، ودار شرحبيل بن حسنة، وبقية دار عبدالله بن مسعود، ودار المسور بن مخرمة الزهري، التي تم تثمينها وشراؤها من أصحابها، ثم هدمها. وجاءت الزيادة في الجهة الشمالية من المسجد فقط، وكانت الزيادة بحدود (2450م2), فأصبحت المساحة الكلية للمسجد (8890م2), وقد انتهت أعمال العمارة في سنة: (165هـ ـ783م).
وأجريت في عهد الخليفة المأمون رضي الله عنه عملية إصلاح وترميم عامة للمسجد النبوي.
وفي عام (246هـ ـ860م) أمر الخليفة المتوكل على الله رضي الله عنه بترميم بعض الجدران التي ظهر عليها التلف، كما أعيدت كسوة عقود الأعمدة بالفسيفساء، وتبليط أرض الأروقة من جديد بالرخام الأبيض، وإنشاء حزام من الرخام على الجدران من الداخل بارتفاع قامة الإنسان، وقد أشرف على هذا العمل إسحاق ابن سلمة.
وقام أمير المؤمنين الخليفة محمد المقتفي لأمر الله رضي الله عنه: (530 ـ 555هـ) في عهده بإرسال الأموال إلى والي المدينة الشريف القاسم بن مهنا الحسيني، وذلك لتجديد الوِزرة الخارجية لجدار قبر الرسول صلى الله عليه وسلم .
ولم يشهد المسجد النبوي عمارة بعد ذلك حتى خلافة الناصر لدين الله : (575ـ622هـ ـ1179ـ1255م)، حيث أمر بعمل قبة في وسط الصحن, لحفظ ذخائر المسجد مثل:(مصحف عثمان) رضي الله عنه عام: (576هـ ـ1180م).
وكذلك جدد الحائط الشرقي من المئذنة الشمالية الشرقية سنة: (589هـ ـ 1193م)، وجدد المنبر الأموي في سنة: (593هـ ـ 1196م).
كما أن الخلفاء العباسيون كانوا يرسلون باستمرار القناديـل, وزيوتهـا والشموع لإنارة المسجد النبوي، والطرقات المحيطة به، وينفق عليها من بيت مال المسلمين.
ونلحظ أن الإصلاحات, والتعمير في المسجد النبوي أستمرت طوال العصر العباسي، ولم تظهر الحاجة لإعادة البناء أو التوسعة إلا بعد أن احترق سقف المسجد النبوي بكامله، وتلف المنبر والأبواب والخزائن والشبابيك، ولم يسلم من الحريق إلا الحجرة النبوية والقبة التي في وسط الصحن، وكان ذلك أول شهر رمضان من سنة: (654هـ ـ 1254م). وسبب ذلك أن أحد فراشي المسجد النبوي دخل إلى مخزن المسجد، وكان بيده مصباح موقد، فوضعه فوق أحد الأقفاص، وكان به بعض الأقمشة، فاشتعلت النار بالقفص، وانتقلت بسرعة إلى جميع نواحي المسجد، وعلقت بالسقف والحصر والبسط، فاجتمع الناس، وحاولوا إطفاء النار، فلم يستطيعوا إلا إبعاد النار عن الحجرة الشريفة.
ولما علم أمير المؤمنين الخليفة الشهيد الإمام المستعصم بالله رضي الله عنه: (640هـ ـ 656هـ ـ 1242ـ 1258م), وهو آخر خلفاء بني العباس في العراق أرسل في العام نفسه الصناع, والمؤن مع ركب الحاج العراقي القادم من عاصمة الخلافة، وابتدأ في العمارة في سنة: (655هـ ـ 1257م)، أي قبل عام واحد من سقوط الخلافة, وقد أخذ العمال في إعادة بناء المسجد النبوي من جديد، إلا أن العمارة توقفت بنهاية الدولة العباسية في بغداد باستيلاء الوثنييـن المغول عليها عام : (656هـ ـ 1258م)، غير أنه في هذه الفترة عمل سقف الحجرة النبوية وما حولها إلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل، ومن الجنوب إلى حائط القبلة، ومن الغرب إلى المنبر.
وبهذه المناسبة فإن آخر عمل قامت به الدولة العباسية وفي آخر سنة قبل انقضائها, وعلى يد أمير المؤمنين الخليفة الشهيد الإمام المستعصم بالله رضي الله عنه آخر خلفاءها, هو إعادة إعمار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر الذي يدحض بالحجة جميع ما قاله بحقه من سوء المغرضين من ضعاف النفوس من المستشرقين ومن أنساق ورائهم, ونهج نهجهم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق